صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
297
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
وهكذا فإن سبب الأزمة كان يكمن في رفضهم التعايش مع المسلمين ، وتحديهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتهديدهم أمن المدينة واعتدائهم المباشر على أفراد المجتمع الإسلامي ، ورفضهم الانصياع لبنود المعاهدة التي أبرمها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم معهم . وقد خشي الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم خيانتهم فنبذ إليهم على سواء تنفيذا لأمر اللّه تعالى : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ « 1 » . أما تفاصيل حصارهم وإجلائهم فإنها ثابتة في المصادر بروايات صحيحة « 2 » ، ذلك أنهم أظهروا صريح البغضاء والعداء ، فعقد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لواء أبيض لحمزة بن عبد المطلب ، واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر ، وخرج بقواته وحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة ، وحين اشتد عليهم الحصار نزلوا على حكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيهم : على أن له أموالهم ، وأن لهم النساء والذرّية . فأمر بهم فكتّفوا ، ثم كلمه فيهم حليفهم عبد اللّه بن أبي بن سلول ، وألحّ عليه قائلا : « أربعمائة حاسر ، وثلاثمائة دارع منعوني من الأحمر والأسود وتحصدهم في غداة واحدة » . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « هم لك » وأمر بهم أن يجلوا عن المدينة ، وتولى أمر إجلائهم عبادة بن الصامت ، فلحقوا بأذرعات ، وتولى قبض أموالهم محمد بن مسلمة الأنصاري ، فخمّست وقسم الباقي بين الصحابة « 3 » . وأعلن عبادة بن الصامت براءته من حلفائه اليهود لمحاربتهم المسلمين ، ومظاهرة للّه ورسوله فقال : « يا رسول اللّه إن لي موالي من يهود كثير عددهم وإني أبرأ إلى اللّه ورسوله من ولاية يهود ، وأتولى اللّه ورسوله » . ولقد أنزل اللّه سبحانه وتعالى في موالاة عبد اللّه بن أبي بن سلول لليهود ، وبراءة عبادة بن الصامت منهم قرآنا ، فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ . . . « 4 » . غزوة السويق : أراد أبو سفيان القيام بعمل انتقامي ضد المسلمين ، فاصطحب معه مائتي فارس ، وتقدم سرّا نحو المدينة ، وتخفّى عند بني النضير ، وفي أوائل الحجة من السنة الثانية من الهجرة هاجم أبو سفيان بقواته ناحية العريض فقتلوا رجلين من المسلمين وأحرقوا نخلا ، وفروا مسرعين عائدين إلى مكة ، وقد تخففوا من حمولتهم من الطعام في سبيل التعجيل بالفرار ، وضمانا لعدم لحاق المسلمين بهم وطلبا للنجاة . وقد نفر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالمسلمين في أثرهم حين بلغه الخبر حتى وصلوا قرقرة الكدر فلم يلحقوا بهم « 5 » ، فعادوا بأزوادهم التي رموها وغالبها من السويق
--> ( 1 ) القرآن الكريم - سورة الأنفال ، الأية 58 . ( 2 ) البخاري - الصحيح 3 / 11 ( حديث 4028 ) ، مسلم - الصحيح 3 / 1387 - 8 ( حديث 1766 ) ، ابن هشام - السيرة 3 / 70 - 71 ، الواقدي - المغازي 1 / 176 ، ابن سعد - الطبقات 2 / 92 . ( 3 ) الواقدي - المغازي 1 / 176 - 177 ، ابن سعد - الطبقات 2 / 29 . ( 4 ) القرآن الكريم - سورة المائدة ، الآيات 51 - 52 ، وروى الخبر ابن إسحاق بإسناد مرسل يتقوي مع المتابعات والشواهد . انظر : ابن هشام - السيرة 3 / 71 - 72 ، الطبري - التفسير 6 / 275 ، السيوطي - الدر المنثور 2 / 291 . ( 5 ) ابن هشام - السيرة 2 / 422 - 423 بإسناد صحيح إلى عبد اللّه بن كعب بن مالك ، الطبري - تاريخ 2 / 484 ، الواقدي - مغازي 1 / 181 ، ابن سعد - الطبقات 2 / 30 ، وذكر الحافظ ابن كثير في البداية 3 / 378 بأنها غزوة قرقرة الكدر .